محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
30
شرح حكمة الاشراق
منه الاقترانيّات الشّرطيّة ولوازم المتصلات ، بل ليعرفوا الصّناعات الخمس ، ويقدروا على مخاطبة كلّ صنف من النّاس بما يليق بحالهم ، ( 16 ) على ما قال تعالى : « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » ( النّحل ، 125 ) . فالحكمة لمن يطيق البرهان ، والموعظة الحسنة لمن لا يطيقه ، والجدل للمقاومة لمن ينتصب للمعاندة . وأمّا أنّه من أىّ مرتبة من العلوم الحكميّة ، فيتوقّف على الإشارة إليها وإن كانت على سبيل إجمال ، فنقول : الحكمة استكمال النّفس الإنسانيّة بتحصيل ما عليه الوجود في نفسه وما عليه الواجب ممّا ينبغي أن تكتسبه تعلّما لتصير عالما معقولا مضاهيا للعالم الموجود ، وتستعدّ للسّعادة القصوى الأخرويّة بحسب الطّاقة البشريّة . وهي تنقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين ، لأنّها إن تعلّقت بالأمور الّتى إلينا أن نعلمها وليس إلينا أن نعملها ، سمّيت حكمة نظريّة ، وإن تعلّقت بالأمور الّتى إلينا أن نعلمها ونعملها سميّت حكمة عمليّة . وكلّ من الحكمتين تنحصر في أقسام ثلاثة : أمّا النّظريّة ، فلأن ما لا يتعلّق بأعمالنا ، إمّا أن يحتاج في وجوده وحدوده ، أي : في الخارج والذّهن ، إلى المادّة ، والعلم به طبيعىّ ، وهو العلم الأسفل ؛ وإمّا أن يحتاج في وجوده ولا يحتاج في حدوده إلى المادّة ، والعلم به رياضىّ ، وهو العلم الأوسط ؛ وإمّا أن لا يحتاج ، لا في وجوده ولا في حدوده ، إلى المادّة ، والعلم به إلهىّ ، وهو العلم الأعلى . ومبادى هذه الأقسام مستفادة من أرباب الملّة الإلهيّة على سبيل التّنبيه ، ويتصرّف على تحصيلها بالكمال بالقوّة العقليّة على سبيل الحجّة . وأمّا العمليّة ، فلأنّ ما يتعلّق بأعمالنا ، إن كان علما بالتّدبير الّذى يختصّ بالشّخص الواحد ، فهو علم الأخلاق ، وإلّا فهو علم تدبير المنزل إن كان علما بما لا يتمّ إلّا بالاجتماع المنزلىّ ، وعلم السّياسة ، إن كان علما بما لا يتمّ إلّا بالاجتماع المدنىّ . ومبدأ هذه الثّلاثة من جهة الشّريعة الإلهيّة ، وبها تتبيّن كمالات حدودها ، وتتصرّف فيها بعد ذلك القوّة النّظريّة من البشر بمعرفة القوانين العلميّة منهم و